الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
177
مختصر الامثل
والفتنة جناية على روح الإنسان وإيمانه « 1 » . ثم إنّ الآية تحذر المسلمين أن لا يقعوا تحت تأثير الإعلان الجاهلي للمشركين ، لأنّهم لا يقنعون منكم إلّابترككم لدينكم إن استطاعوا « وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا » . فينبغي على هذا الأساس أن تقفوا أمامهم بحزم وقوة ولا تعتنوا بوسوساتهم وأراجيفهم حول الأشهر الحرم . ثم تنذر الآية المسلمين وتحذرهم من الإرتداد عن دين اللَّه : « وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ » . فما أشد عقاب المرتد عن الإسلام ، لأنّ ذلك يُبطل كلما قدّمه الفرد من عمل صالح ويستحق بذلك العذاب الإلهي الأبدي . الآية التالية تشير إلى النقطة المقابلة لهذه الطائفة ، وهم المؤمنون المجاهدون وتقول : « إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » . أجل ، فهذه الطائفة التي يتحلّى أفرادها بهذه الصفات الثلاث المهمة ( الإيمان والهجرة والجهاد ) قد يرتكبون خطأً بسبب جهلهم وعدم اطلاعهم ( كما صدر ذلك من عبداللَّه بن جحش الوارد في سبب النزول ) إلّاأنّ اللَّه تعالى يغفر لهم زلّتهم بلطفه ورحمته . يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَا ذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( 219 ) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 220 ) سبب النّزول نزلت في جماعة من الصحابة أتوا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقالوا : أفتنا في الخمر والميسر ، فإنّها
--> ( 1 ) قدمنا بحثاً مفصلًا عن معنى « الفتنة » في ذيل الآية ( 191 ) من هذه السورة المبحوثة .